ديفيد غرايبر: الديمقراطية لم تُخترع في أثينا

كل هذا يساعدنا أيضًا على تفسير كلمة «ديمقراطية» نفسها، التي يبدو أنها صيغت على يد النخبة المعادية كمصطلح مهين، فتعني حرفيًا «قوة» أو حتى «عنف» الشعب، «كراتوس» وليس «أرخوس». وقد اعتبرت النخب التي صاغت هذا المصطلح دائمًا أنه يشير إلى شغب شعبي أو حكم العامة، وكانت الحلول التي تقترحها دائمًا تتمثل في السيطرة المستمرة على…

ترجمة عن الفرنسية للفصل الثالث (الثاني في الأصل الإنجليزي) من مقال لم يكن هناك غرب أبدًا (نشر ككتيب مترجم إلى الفرنسية تحت عنوان: الديمقراطية على الهامش).

بدأت هذا الكتاب بالإشارة إلى أنه يمكن كتابة تاريخ الديمقراطية بطريقتين: إما بكتابة تاريخ كلمة «ديمقراطية»، بدءًا من اليونان القديمة، أو بكتابة تاريخ للإجراءات المختلفة لاتخاذ القرار بالمساواة، التي أُطلق عليها في أثينا اسم «ديمقراطية».

عمومًا، نميل إلى الاعتقاد بأن هذين التاريخين متطابقان، لأن الحكمة الشعبية ترى أن الديمقراطية — مثل العلم أو الفلسفة، على سبيل المثال — وُجدت في اليونان القديمة. لكن عند التدقيق، فإن هذا الادعاء غريب بعض الشيء. فقد وُجدت مجتمعات متساوية عبر التاريخ البشري، وكثير منها كان أكثر مساواة من أثينا في القرن الخامس قبل الميلاد، وجميعها طورت شكلاً من أشكال إجراءات اتخاذ القرار لتنظيم شؤونها الجماعية. وغالبًا ما كانت هذه الإجراءات تتلخص في جمع الجميع لمناقشات يُفترض فيها أن يكون لكل عضو في المجتمع صوت، على الأقل نظريًا. ومع ذلك، لم تُعتبر هذه الإجراءات يومًا ما «ديمقراطية» بالمعنى الدقيق للكلمة.

السبب الرئيس الذي يجعل هذا الرأي يبدو بديهيًا هو أن هذه الاجتماعات لم تلجأ أبدًا للتصويت، فقد كان الهدف غالبًا الوصول إلى إجماع. وهذا في حد ذاته أمر ذو أهمية بالغة. إذ إذا اعترفنا بأن رفع اليد أو الوقوف في جانب من الساحة العامة للتعبير عن الموافقة أو الرفض لم يكن أمرًا معقدًا بحيث يحتاج إلى عباقرة فحسب، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا نادرًا ما تُستخدم هذه الأساليب؟ ولماذا فضل البشر دائمًا بذل الجهد الأصعب للتوصل إلى قرارات بالإجماع؟

التفسير الذي أرغب في اقتراحه هو: في المجتمعات التي تتسم بالتواصل المباشر وجهًا لوجه، يكون من الأسهل تمثّل ما يريده معظم الأعضاء من تخيّل كيفية إقناع المعارضين. اتخاذ القرار التوافقي نموذجي للمجتمعات التي لا يوجد فيها وسيلة لإجبار الأقلية على قبول قرار الأغلبية، إما لعدم وجود دولة تحتكر القوة القسرية، أو لعدم اهتمامها أو ميلها للتدخل في القرارات المحلية. فإذا لم يكن هناك وسيلة لإجبار من يرون أن قرار الأغلبية كارثي على الامتثال له، فإن آخر ما يُراد فعله هو تنظيم تصويت، لأنه سيكون بمثابة منافسة عامة يُعتبر فيها بعض المشاركين خاسرين. التصويت إذًا قد يكون الوسيلة المثلى لإثارة الإحباط والضغينة والكراهية، التي تؤدي في النهاية إلى تدمير المجتمعات.

كما يمكن لأي ناشط مُدرب ضمن مجموعة عمل مباشر أن يخبرك، فإن الإجراءات التوافقية لا تشبه النقاش البرلماني، فالبحث عن التوافق لا يشبه التصويت. بل هي عملية تفاوض ودمج تهدف إلى إنتاج قرارات لا يجد أحد فيها اعتراضًا كافيًا للرفض، ما يعني أن مستويي اتخاذ القرار وتنفيذه يتداخلان عمليًا. هذا لا يعني أن الجميع يجب أن يتفق، فمعظم أشكال التوافق تشمل درجات من الاختلاف، لكن المهم أن لا يغادر أحد وهو يشعر بأن آرائه قد تجاهلت بالكامل، وبالتالي حتى من يعتقد أن القرار خاطئ سيُشجع على تقديم موافقته، ولو بشكل سلبي.

لا يمكن أن تظهر الديمقراطية القائمة على الأغلبية إلا بوجود عاملين معًا: 1) شعور الناس بأن لهم صوّلة متساوية في اتخاذ القرار داخل المجموعة، و2) جهاز قسري قادر على تنفيذ هذه القرارات.

خلال معظم التاريخ البشري، كان التوافر المشترك لهذين الشرطين نادرًا جدًا. ففي المجتمعات المتساوية، يُنظر عادةً إلى فرض القسرية بشكل سلبي، بينما حيث وُجد جهاز قسري، لم يكن في ذهن منظميه أنهم يطبقون إرادة شعبية.

لا يمكن إنكار أن اليونان القديمة كانت واحدة من أكثر المجتمعات تنافسية في التاريخ البشري. فقد كانت تجعل من كل شيء مسابقة عامة، من الرياضة إلى الفلسفة والفنون المسرحية، فلم يكن من المستغرب أن تأخذ عملية اتخاذ القرار السياسي مسارًا مشابهًا. والأهم أن القرارات كانت تُتخذ من قبل شعب مسلح. أشار أرسطو في «السياسة» إلى أن دستور المدن-الدول اليونانية كان يعتمد أساسًا على القوة العسكرية الرئيسة: فإذا كانت الفروسية، فستكون الأرستقراطية؛ إذا كانت المشاة الثقيلة، فستكون الأوليغارشية، لأن ليس كل أحد يمكنه تحمل تكلفة التدريب والعتاد؛ وإذا كانت البحرية أو المشاة الخفيفة، فيمكن توقع الديمقراطية، لأن الجميع يعرف كيفية التجذيف أو استخدام المقلاع. بمعنى آخر، إذا كان الرجل مسلحًا، فمن الحكمة أخذ رأيه في الاعتبار.

يُظهر كتاب إكسينوفون الأناباسيس [الصعود] مثالًا رائعًا على صرامة هذا النظام، حيث يروي قصة جيش مرتزقة يوناني بلا قائد يضيع في بلاد فارس، فينتخب ضباطًا جددًا وينظم تصويتًا جماعيًا لاتخاذ القرار. حتى لو كانت النتيجة 60/40، يمكن للجميع تقدير توازن القوى ومعرفة ما سيحدث إذا نشبت مواجهة. كل تصويت كان، بالمعنى الحرفي، بمثابة انتصار. وهنا أيضًا تتداخل عملية اتخاذ القرار ووسائل تنفيذه، لكن بطريقة مختلفة.

كانت الفيلق الروماني يمكن أن يكون ديمقراطيًا بنفس الطريقة، وهذا أحد أسباب عدم السماح لهم بدخول روما. وعندما حاول ميكافيلي إحياء مفهوم الجمهورية الديمقراطية في بداية العصر الحديث، عاد فورًا إلى فكرة «الشعب المسلح».

كل هذا يساعدنا أيضًا على تفسير كلمة «ديمقراطية» نفسها، التي يبدو أنها صيغت على يد النخبة المعادية كمصطلح مهين، فتعني حرفيًا «قوة» أو حتى «عنف» الشعب، «كراتوس» وليس «أرخوس». وقد اعتبرت النخب التي صاغت هذا المصطلح دائمًا أنه يشير إلى شغب شعبي أو حكم العامة، وكانت الحلول التي تقترحها دائمًا تتمثل في السيطرة المستمرة على الشعب. والمفارقة أن محاولتهم لإلغاء الديمقراطية غالبًا ما كانت تؤدي إلى التعبير الوحيد لإرادة الشعب: الاحتجاجات أو الشغب، التي أصبحت مؤسسة رسميًا في العصر الروماني وفي القرن السابع عشر في إنجلترا.

هناك سؤال يستحق البحث التاريخي: إلى أي مدى شجع الدولة هذه الظاهرة؟ بالطبع لا أعني الشغب حرفيًا، بل ما أسميه «مرايا الرعب»، أي المؤسسات التي طورتها ودعمتها النخب لتعزيز الانطباع بأن أي قرار شعبي سيؤدي إلى العنف والفوضى واللاعدالة المتأصلة للشعب. وأظن أن مثل هذه المؤسسات شائعة في الأنظمة السلطوية. يكفي مقارنة أثينا الديمقراطية، حيث كان الفضاء العام هو الآغورا، بروما، حيث كان هو السيرك، حيث تتجمع العامة لمشاهدة السباقات والمصارعة والإعدامات الجماعية، فالألعاب كانت تنظم مباشرة من الدولة أو غالبًا من النخبة، وكانت تشجع الصفات التي نعت بها العامة لاحقًا — التقلّب، العنف المتعمد، روح الانتماء للطائفة، تقديس الأبطال، العاطفة الجامحة — والتي كانت تُشجع في المدرجات الرومانية على العكس من ذلك تمامًا.

بالتركيز على الأصول العسكرية للديمقراطية المباشرة، لا أعني أن الاجتماعات الشعبية في المدن الوسيطة أو الاجتماعات العامة في نيو إنجلاند لم تطبق إجراءات منظمة وذات احترام، لكن يمكن تخيل أن ذلك كان بفضل وجود قاعدة مشتركة تعزز البحث عن التوافق. ومع ذلك، لم تسهم هذه التجارب كثيرًا في إقناع النخب بأن حكم الشعب قد يكون شيئًا مختلفًا عن السيرك والشغب في الإمبراطورية الرومانية والبيزنطية. وكان كتاب الأوراق الفيدرالية يعتبرون الديمقراطية المباشرة، أو «الديمقراطية النقية»، أنها بطبيعتها غير مستقرة وعنيفة، من أجل عدم ذكر تأثيرها على حقوق الأقليات (والذين هم في هذا السياق الأثرياء).

ولم يُعاد تأهيل مصطلح الديمقراطية إلا عندما تغير جوهريًا ليشمل مبدأ التمثيل، فحظي بالقبول بين المفكرين السياسيين وارتبط بالمعنى الذي يعرفه اليوم. وتجدر الإشارة إلى أن لهذا المصطلح أيضًا تاريخ غريب؛ فقد كان في الأصل يشير إلى ممثلي الشعب أمام الملك، أي السفراء، وليس من يمارس السلطة بنفسه.


أحدث المقالات

  • ديفيد غرايبر: الديمقراطية لم تُخترع في أثينا

    ديفيد غرايبر: الديمقراطية لم تُخترع في أثينا

  • ليـون تروتسكي « حياتي » — ثورة 1995، الفصل الرابع عشر

    ليـون تروتسكي « حياتي » — ثورة 1995، الفصل الرابع عشر

  • الحوكمة الرشيدة

    الحوكمة الرشيدة

  • محمد عابد الجابري: رحلة في نقد العقل وترميم الهوية

    محمد عابد الجابري: رحلة في نقد العقل وترميم الهوية

  • ميشيل فوكو: بين السلطة والمعرفة – تحليل فلسفي لتطور المفاهيم الاجتماعية والسياسية

    ميشيل فوكو: بين السلطة والمعرفة – تحليل فلسفي لتطور المفاهيم الاجتماعية والسياسية