الحزب الاشتراكي اليمني بين الانهيار وفرصة النهوض

يناقش المقال الفرصة التاريخية التي قد تمكّن الحزب من النهوض مجددًا إذا استطاع إعادة بناء نفسه على أساس الانضباط، والتنظيم، والصرامة الحزبية، والاقتراب من قضايا الناس اليومية.

شباب اشتراكي مثقف وواعي في شوارع صنعاء والنجمة الحمراء معلقة فوق المباني المتهالكة
،

يعيش الحزب الاشتراكي اليمني واحدة من أصعب مراحله خلال العقود الأخيرة. فقد تراجع تأثيره السياسي، وضعفت قاعدته الجماهيرية، نتيجة أزمة تنظيمية عميقة. وبين تخاذل بعض قياداته وفسادها، وعجزها عن مواكبة التطورات التقنية، وإهمالها للجيل الجديد من المنتسبين خلال العقدين الأخيرين، انتهى الأمر بانتساب أعداد كبيرة من الأعضاء الذين لا يحملون أي أفكار تقدمية، ولا يلتزمون بقيم الحزب أو انضباطه.

فمنهم من يُظهر تحيزات ضد المرأة، ومنهم من يمارس العنصرية، ومنهم من يسخر من القراءة والثقافة، ومنهم من كوّن شللًا لا همّ لها إلا الضحك والهزل والسخرية، فيما أُحب أن أسميهم «مهرجي الحزب»، ومنهم من يهاجم رفاقه المخالفين له بالرأي بالسب والشتم والقذف بأسلوب سوقي مخزٍ، وبألفاظ لا يمكن تصوّر أنها تخرج من فمّ عضو في حزب له تاريخ نضالي عريق، وذلك عوضًا عن اللجوء إلى النقاش والجدال وفق أسس الحجاج العقلاني، وفي افتقار تام لأي شكل من أشكال الانضباط أو الجدية أو المسؤولية الحزبية. وذلك فضلًا عن اعتناق بعضهم أفكارًا تتسق مع الإسلام السياسي.

وقد شكّل هذا الجيل الصاعد، الفاسد في معظمه، عائقًا أمام أقرانه من الجيل نفسه، ممن كانوا أكثر انضباطًا، وأكثر وفاءً وإخلاصًا للنضال الحزبي وللقيم اليسارية التقدمية. كما تسببت هذه الممارسات في نفور كثير من المنتسبين والمناصرين، وأساءت إلى سمعة الحزب بأكملها.

يهدف هذا المقال إلى تنبيه ما تبقى من القادة الشرفاء داخل الحزب إلى خطورة هذه الأزمة، من ضعف البنية التنظيمية والرقمية، إلى تراجع العمل النقابي، وغياب الاستيعاب الحقيقي للجيل الجديد. وإلى الفرصة التاريخية التي يضيعها الحزب في هذه اللحظة الحرجة من تاريخ اليمن. كما يطرح تصورًا عامًا، غير مفصل كثيرًا، للخروج من الأزمة، على أن أخصص مقالًا آخر لشرح خارطة طريق أكثر تفصيلًا.

فالحزب يتدهور على مختلف الأصعدة: رقميًا، وتنظيميًا، وسياسيًا، ونقابيًا، وغيرها.

فعلى الصعيد الرقمي، تعيش منصات الحزب حالة من التراجع الواضح. فموقع «الاشتراكي نت» متوقف تمامًا، وحتى عندما كان يعمل، كان يعاني كثيرًا من المشكلات التقنية، ويحتاج إلى مبرمجين محترفين لإصلاحه. كما أنه لم يكن يُستثمر بالشكل الصحيح على أي حال.

ونحن اليوم نعيش في القرن الحادي والعشرين، وفي عام 2026، ولذلك ينبغي أن تتوافر آلية إلكترونية للانتساب إلى الحزب، بحيث يملأ الشخص استمارة الانتساب عبر الموقع الإلكتروني، ثم تتواصل معه المنظمة المختصة هاتفيًا لتحديد موعد واستكمال إجراءات الانتساب.

كما ينبغي أن تتوافر آلية إلكترونية لنشر العرائض، وجمع التوقيعات عليها، ورفعها إلى قيادة الحزب. فالهيكل التنظيمي الحالي يعيق من هم في المستويات الدنيا على التأثير على القرارت التي تتخذ في الأعلى، وهو في الحقيقة هيكل تنظيمي متردٍ ومتقادم، إذ يسمح بالاستئثار بالسلطة والقرار. ومع ذلك، فهذه ليست القضية التي أناقشها الآن، لأن تغيير الهيكل التنظيمي يتطلب الدعوة إلى مؤتمر عام.

كذلك ينبغي إنشاء نظام إلكتروني لتقديم الشكاوى والاقتراحات، بحيث تُحال الشكاوى مباشرة إلى لجنة الرقابة، التي تتولى النظر فيها والتواصل مع مقدم الشكوى للتحقيق في الأمر. كما ينبغي أن يكون لكل عضو حساب مستخدم على موقع الحزب، بحيث لا يضطر إلى إدخال بياناته في كل مرة يريد فيها تقديم شكوى أو اقتراح، أو إنشاء عريضة، أو غير ذلك.

أما من الناحية التنظيمية، وهي في غاية الأهمية، فإن كثيرًا من القادة، ولا سيما أولئك الذين يسعون هذه الفترة إلى إصلاح الحزب، يتفقون على ضرورة ضخ دماء جديدة فيه. غير أن المسألة أكثر تعقيدًا من ذلك.

فكما ذكرت في المقدمة، توجد داخل الحزب عناصر فاسدة، وغالبًا ما تتراوح أعمارها بين عشرين وأربعين عامًا. ولذلك فإن ضخ دماء جديدة لن يجدي نفعًا ما لم يُتخلص من الدماء الفاسدة أولًا. لأن أي أعضاء جدد سيدخلون اليوم، إما أن يُفسَدوا، وإما أن يُنفَّروا ويُحاربوا.

ولهذا ينبغي أن تكون العملية مزدوجة ومتزامنة: ضخ دماء جديدة من جهة، وإخراج الدماء الفاسدة من الجهة الأخرى. وهذه مسألة تتطلب قدرًا كبيرًا من الصرامة وعدم التهاون، وتحتاج إلى الضرب بيد من حديد، وتفعيل المادة (26) من النظام الداخلي، بل وتفعيل النظام الداخلي بأكمله.

كما ينبغي إعداد برامج تأهيل للمنتسبين الجدد، يطلعون خلالها على أهم مواد النظام الداخلي، والبرنامج السياسي، وقيم الحزب، ورموزه، وتاريخه، مع تدريبهم على الانضباط الحزبي، وتشجيعهم على القراءة والاطلاع، والاهتمام بدراستهم الجامعية.

ومن الضروري أيضًا إعادة تفعيل نظام تحصيل الاشتراكات من الأعضاء، وهو أمر بالغ الأهمية؛ لأنه يضمن استقلالية الحزب من جهة، ويضمن استمراريته وقدرته على التطور والنهوض من جهة أخرى. كما أنه يحمل رسالة معنوية مهمة للعضو، مفادها أنك هنا لأنك مؤمن بقضية وطنك، وأن الحزب ليس وسيلة للارتزاق، وأن التغيير يتطلب المال والجهد والنضال.

وللأسف، بات كثير من الناس يسألون: «ماذا حصلت من الحزب؟» أو «ماذا حصلت من الوطن؟»، في حين ينبغي أن يكون السؤال هو: «ماذا قدمتُ للحزب؟» و«ماذا قدمتُ للوطن؟».

وسأكتفي بهذا القدر فيما يتعلق بالناحية التنظيمية، في إطارها الأولي، مع أن هناك الكثير من الجوانب التي تحتاج إلى إعادة تنظيم وإصلاح.

ومن الجوانب التي يغفلها الحزب اليوم، على نحو مؤسف، دوره في الدفاع عن العمال والموظفين، والسعي إلى تحسين واقع العمل وتفعيل العمل النقابي. فهذا، في الأصل، أحد أهم الأدوار التي يُفترض أن ينهض بها أي حزب يساري. غير أن الحزب يكاد يكون غائبًا عن هذه القضية، رغم أن واقع العمل في اليمن يزداد قسوة عامًا بعد آخر، والحرب ليست عذرًا لهذا الغياب.

فكثير من العمال والموظفين يعملون اثنتي عشرة ساعة يوميًا كدوام وقاعدة ثابتة، بل وأكثر من ذلك أحيانًا ولا يحصلون على اجازاة سنوية، بل ولا حتى أسبوعية في بعض الأحيان، في مخالفة صريحة لقانون العمل اليمني، وفي ظروف غير إنسانية لا تليق بكرامة الإنسان. ومع ذلك، لا توجد نقابات عمالية فاعلة تدافع عنهم، ولا نجد من داخل الحزب من يكتب باستمرار عن هذه الانتهاكات، أو يجعلها قضية سياسية وجماهيرية تستحق النضال.

إن استغلال العمال والموظفين، مهما كانت الظروف التي تمر بها البلاد، لا ينبغي السكوت عنه. بل ينبغي أن يكون في صدارة أولويات الحزب، من خلال المطالبة بتطبيق قانون العمل، وتحسين ظروف العمال، وإنشاء نقابات فاعلة تابعة للحزب، والدفاع عن حقوق العاملين في مختلف القطاعات. كما يجب أن يجعل الحزب من تطوير قانون العمل وتحسينه هدفًا أساسيًا ضمن برنامجه، بما يضمن تعزيز حقوق العمال وتحقيق التوازن في العلاقة العمالية.

ولا يمثل هذا واجبًا أخلاقيًا وسياسيًا فحسب، بل يمثل أيضًا فرصة كبيرة للحزب لاستعادة حضوره بين الناس. فحين يدافع الحزب عن مصالح الفئات الكادحة، ويتبنى قضاياها اليومية، فإنه لا يؤدي رسالته التاريخية فقط، وإنما يبني أيضًا قاعدة جماهيرية حقيقية، قائمة على الثقة والعمل الميداني، لا على الشعارات وحدها.

أما فيما يتعلق بالفرص التي يضيعها الحزب، وهو أمر قد يجهله كثير من القادة، وربما لأنهم ليسوا من جيلنا، فإن قطاعًا واسعًا من شباب اليوم متعطش للحرية، وللقيم التقدمية، ولم تعد لأفكار الإسلام السياسي السطوة التي كانت تتمتع بها في السابق. لكن هؤلاء الشباب تائهون، لا يعرفون من أين يبدؤون، ولا إلى أين يتجهون.

وهذه فرصة تاريخية للحزب، لكي يستقطبهم وينظمهم في إطار مشروع وطني يخدم اليمن الجديد.

وأنا هنا لا أتحدث عن مئات أو آلاف، بل عن ملايين الشباب، في الداخل والخارج، ومن مختلف المحافظات، حتى تلك التي كان يُعتقد أنها قبلية أو رجعية. وهؤلاء هم القادرون على إعادة بناء الحزب، إذا أحسن استيعابهم.

وأتلقى باستمرار رسائل من شباب يسألونني كيف يمكنهم الانضمام إلى الحزب الاشتراكي اليمني، لكنني، وللأسف، لا أنصحهم بالانضمام في هذه المرحلة، لأن الحزب غير مستعد بعد، وليس قبل أن يُطهر نفسه من الدم الفاسد. لأن إدخالهم الآن سيؤدي إلى إصابتهم بصدمة كبيرة، فالفجوة واسعة بين القيم التي يروج لها الحزب، وبين السلوكيات التي يمارسها كثير من أعضائه.

وما أردت قوله هو أن هناك بيئة اجتماعية وسياسية يمكن أن تكون حاضنة للحزب من جديد. وإذا استُثمرت هذه الفرصة، وعمل الحزب بجدية، وانضباط، وتنظيم، وصرامة، فإنه قادر على أن يصبح، خلال خمس إلى ثماني سنوات، أقوى الأحزاب والقوى السياسية من حيث القاعدة الجماهيرية.

كما أن الرقمنة، إذا استُثمرت بصورة صحيحة، ستسهم في زيادة وتيرة الانتساب إلى الحزب بصورة هائلة، وستمنحه الأدوات التي يحتاجها للعودة إلى الحياة السياسية كقوة جماهيرية حقيقية.

تنبيه: هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه، ولا يُمثل بالضرورة رأي أو اتجاه سياسور.

احرص على أن يصلك كل جديد عن طريق الاشتراك في النشرة البريدية

 

 

محتوى استثائي
لا مثيل له

احرص على أن يصلك كل جديد عن طريق الاشتراك في قناتنا

على التلغرام أو واتساب

أحدث المقالات

  • الحزب الاشتراكي اليمني بين الانهيار وفرصة النهوض

    الحزب الاشتراكي اليمني بين الانهيار وفرصة النهوض

  • استئناف تصدير النفط في اليمن: فرصة إنقاذ مشروطة

    استئناف تصدير النفط في اليمن: فرصة إنقاذ مشروطة

  • تحولات الصراع في الشرق الأوسط وإعادة تشكيل الوعي السياسي في المنطقة

    تحولات الصراع في الشرق الأوسط وإعادة تشكيل الوعي السياسي في المنطقة

  • حين انهارت الأسطورة: القبيلة اليمنية بين التماهي التمثيلي والواقع الحوثي

    حين انهارت الأسطورة: القبيلة اليمنية بين التماهي التمثيلي والواقع الحوثي

  • ما الذي تريده السعودية من اليمن؟ (2)

    ما الذي تريده السعودية من اليمن؟ (2)


×