محتوى استثائي
لا مثيل له

احرص على أن يصلك كل جديد عن طريق الاشتراك في قناتنا

على التلغرام أو واتساب

حين انهارت الأسطورة: القبيلة اليمنية بين التماهي التمثيلي والواقع الحوثي

لقد كونت القبيلة صورة عن ذاتها، وهي أن القبيلي اليمني محارب بطبعه، وأن كل ما يخرج عن هذا التصور يعد منقصة في حقه (لهذا نرى أنها كانت تستخف بالكثير من المهن). فالقبيلة ليست مجرد اجتماع بشري في اليمن، بل هي اجتماع محاربين أساسًا، ونسجت لنفسها منظومة قيمية أخلاقية تليق بهذه الصورة.

القبيلة اليمنية والتماهي التمثيلي
،

استمع للمقالة:

قد يبدو الكلام الذي نحن بصدد قوله مثيرًا للجدل، لكن في حقيقة الأمر التجربة الحوثية مثيرة للانتباه، لقد أثبتت شيئًا كان من قبل يبدو من سابع المستحيلات. نتذكر مرة لقاءًا مع مخرج سينمائي فرنسي، محبّ لليمن وزارها من قبل، وقد سبق له أن حاول إخراج فلم في اليمن لكنه فشل بسبب تطرف اليمنيين بحكم أن فلمه يتضمن مشهد حب. قال لشادي إن اليمن قَبَليّة، ولا يمكن أن تكون إلا هكذا، وأن الديمقراطية والمدنية والعلمانية مجرد أحلام لا يمكن تحقيقها في اليمن. هذه كانت وجهة نظر شخص غربي للأمر. أما الآن فنحن نرى الأمور بشكل مخالف. لقد رأينا بأنفسنا كيف أن هذه القبائل، التي كان يُروج لها أنها لا تُقهر، وأنها كيان غير قابل للتفكيك وجزء بنيوي لا فكاك منه؛ قد قُهرت من قبل الحوثيين. لقد رأينا بأم أعيننا كيف فرّ مشائخ آل الأحمر كالجرذان في بداية دخول الحوثيين، وكيف تمكن الحوثيون من إخضاع القبيلة وكل المشائخ، وكيف أهانوهم. لقد أثبت الحوثي أن القبيلة أكثر هشاشة ممّا كنّا نظن. ونريد أن ننبه إلى أنّا لسنا مع إهانة البشر، على أننا نجد أن ما فعله الحوثيون أمرٌ مثير للاهتمام. هذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن طموح الحمدي (رئيس اليمن من 13 يونيو 1974 حتى 11 أكتوبر 1977) في إزاحة القبيلة من المشهد السياسي، لم يكن ضربًا من الخيال؛ وأن علي عبدالله (متهم بالاشتراك في قتل الحمدي، ورئيس اليمن من يوليو 1978 إلى 27 فبراير 2012) بتماهيه مع القبيلة، لم يكن له مبرر حقيقي، وأنه كان بوسعه أن يقوم بذات الشيء عبر التحالف مع قوى مدنية أخرى، كالحزب الاشتراكي مثالًا. لطالما رأينا أنّ التجربة الحوثية فيها الكثير من العبر والدروس لتعلمها، لأنهم ذهبوا أبعد من أي طرف آخر. من خلالهم يمكن دراسة وفهم اليمن بشكل أفضل، بعيدًا عن الخرفات والأساطير التي حاولوا أن يحيكوها في عقولنا منذ الصغر. ويمكن اختزال ما هي عليه القبيلة اليمنية من خلال التعابير التالية: تماهي تمثيلي، محاكاة صورية، مسرحية اجتماعية، أداء مختتل، لعب أدوار متخيلة، أو تمثّل هويّاتي استيهامي، وعلى هذا النحو، وهذا بالفعل ما أثبتته التجربة الحوثية.

في رواية دون كيخوته (كيشوت) تدور أحداث الرواية حول رجل من نبلاء إقليم لامانتشا يُدعى ألونسو كيخانو، يستغرق في قراءة كتب الفروسية حتى يستولي الخيال على استعرافه، فيتوهم نفسه فارسًا جوّالًا، ويتخذ لنفسه اسم «دون كيخوته دي لامانتشا». ويخرج إلى العالم باحثًا عن المجد، ونصرة الضعفاء، وإحياء قيم الفروسية التي انقضى عهدها، مصطحبًا خادمه القروي سانشو بانثا، الذي يمثل صوت الحسّ العملي والواقعية الشعبية. يصطدم هذا الخيال النبيل بعالم قاسٍ لا يعترف بالأحلام، فيتعرض للسخرية والضرب والهزيمة، غير أنه لا يتخلى عن قناعته برسالته، ولا عن حبه المتخيَّل للسيدة دولثينيا، التي يجعلها رمزًا للكمال والجمال. هذا ما نقصده بالضبط بفكرة التماهي التمثيلي، وهذا ما هي القبيلة اليمنية عليه في الواقع. لقد انقضى عهد القبيلة منذ زمن طويل، فالقبيلة كيان متقادم، كان لازمًا في عهد ما قبل الدولة، وكان يمثل أحد أولى الاجتماعات البشرية. مع ذلك، لا يمكن التوفيق اليوم بين الدولة والقبيلة، إلا بشرط واحد، وهو أن تغدو القبيلة مجرد استمرار مسرحي وهمي، لا استمرارًا واقعيًا. لقد تماهت القبيلة مع المسرحية القبلية، حتى خُيِّل لها وللمراقب من بُعد أنّها كذلك فعلًا. لكن حينما دخل الحوثيون صنعاء، اصطدمت القبيلة بالواقع القاسي، تمامًا ككيخانو، فتعرضت للهزيمة والإهانة والإذلال وأُخضعت تمامًا لسلطة الحوثيين. وكذلك رأينا الأمر ذاته في جنوب اليمن، فيما يُسمّى «حلف قبائل حضرموت»، إذ ما إن دخل المجلس الانتقالي حضرموت حتى واجهوا الواقع القاسي نفسه، فانهزموا بسهولةٍ لافتة، ولولا تدخّل السعودية لما تمكنت تلك القبائل من الإتيان بفعل يُذكر.

لقد كونت القبيلة اليمنية صورة عن ذاتها، وهي أن كل فرد منها هو محارب بطبعه، وأن كل ما يخرج عن هذا التصور يعد منقصة في حقه (لهذا نرى أنها كانت تستخف بالكثير من المهن). فالقبيلة ليست مجرد اجتماع بشري في اليمن، بل هي اجتماع محاربين أساسًا، ونسجت لنفسها منظومة قيمية أخلاقية تليق بهذه الصورة. ميدان القتال هو ميدان الشرف. القتال بحد ذاته قيمة في ذاته. الأمر أشبه بالمنظومة القيمية للساموراي في اليابان قديمًا. الساموراي لم يكونوا قبائل بالطبع، فهم طبقة اجتماعية محاربة تهدف لحماية السادة الإقطاعيين، على أنهم شكلوا لأنفسهم منظومة صارمة من قيم الشرف والانضباط والتضحية في سبيل الواجب. ومع ذلك، وجه التقارب ليس فقط في التشابه الظاهري لفكرة الجماعة المحاربة ذات المنظومة القيمية الصارمة، بل أيضًا، وعلى الرغم من أن القبائل اليمنية تُدعى قبائل، لكنها أيضًا طبقة اجتماعية، تقع في درجة أدنى من السادة والقضّاة والإقطاعيين في فترة الإمامة. والآن بعد أن بينا التقارب الظاهري، سنرى كيف أن هذين الكيانين مختلفان تمامًا. للساموراي فلسفة أخلاقية تسمى «البوشيدو» أي «طريق المحارب»، وهو ميثاق غير مكتوب يجمع كل القيم السابقة التي ذكرناها. الساموراي لا يمارس أي نوع من التمثيل، ولا ينخرط في مسرحية اجتماعية كما هو الحال عند القبيلة اليمنية. أي لا يتقمص الساموراي أي دور، ولهذا يختلف جوهريًا عن القبيلة اليمنية. فرد القبيلة اليمنية ليس مستعدًا أن يضحي بحياته من أجل قيمه، في النهاية قد يقبل حتى بالإذلال. وعدم وجود هذا الاستعداد ليس إلا نتيجة أنه لا يحمل تلك القيم المزعومة، بل يتصنعها. هناك فارق جوهري بين من يعتنق قيمة، وبين من يتظاهر باعتناق هذه القيمة. وعلى الرغم من وجود إرهاصات لاختفاء واضمحلال الساموراي بشكل طبيعي نظرًا لتحولات تاريخية عميقة، إلا أن عهد ميجي كان الفترة الحاسمة التي انتهى فيها الساموراي تمامًا. في عصر ميجي قررت الدولة الانفتاح على النماذج الغربية وبناء دولة مركزية حديثة، فاقمت العديد من الإصلاحات التي أضرت بالساموراي؛ فقد أُلغيت الامتيازات الوراثية للساموراي، ومنع حمل السيوف (الكاتانا، شرف محارب الساموراي) في الأماكن العامة، وأُنشئ جيش وطني يعتمد التجنيد الإجباري لا الانتماء الطبقي. والآن لنرى كيف تعامل الساموراي مع هذه الإصلاحات. لقد تسببت هذه الإصلاحات بثورات كثيرة من قبل الساموراي، كان أبرزها تمرّد ساتسوما سنة 1877 بقيادة سايغو تاكاموري، الذي يُصوَّر في الذاكرة اليابانية بوصفه «آخر الساموراي». وقد واجه هؤلاء جيش الدولة الحديثة، المجهّز بالأسلحة النارية والتنظيم الغربي، بسيوف تقليدية وروح قتالية عالية، فانتهت المقاومة بهزيمة عسكرية قاسية. أصيب تاكاموري أثناء المعارك إصابة بالغة، وعوضًا عن تسليم نفسه، اختار الانتحار المشرّف على طريقة الساموراي «سيبوكو» (شق المعدة بسيف صغير). ويقال إن عدد القتلى بلغ 30 ألفًا من أصل 40 ألفًا. هذا يعني أن الغالبية العظمى قاتلوا حتى النهاية، حتى الموت، دفاعًا عن قيمهم وعن وجودهم. قاتلوا ببسالة، لدرجة أنه مهما اختلفت معهم، لا بد لك أن تنحني تقديرًا واحترامًا لهؤلاء المحاربين الذين سطّروا بدمائهم معاني الشجاعة، وواجهوا مصيرهم بقلوب ثابتة. وهذا هو الاختلاف الجوهري الذي كنا نتحدث عنه. لهذا السبب التماهي التمثيلي لا ينطبق في حالة الساموراي، هذا المحارب الأصيل.

والآن أخبرونا، أين القبيلة اليمنية من كل هذا؟ إنها عند كل واقع قاسٍ، تفر كالجرذان، ذلك لأنها ليست قائمة على أي منظومة قيمية فعلية، بل يحركها المال بشكل رئيس. مجموعة ممثلين يتقاضون أجرًا على تمثيلهم، وحدث أن انغمسوا في التمثيل حد التماهي. ويمكن للمرء أن يلاحظ في النزاع القبلي الدائر هذه الفترة، بين آل حجام وآل فاضل كيف أن هذه القبائل التي كانت ترى الدولة عدوة لها، قد أُخضعت تمامًا للسلطة في عهد الحوثي. ينشأ النزاع بين أسرة آل حجام من قبائل أرحب وأسرة آل فاضل من محافظة إب على خلفية حادثة قتل أحد أفراد آل حجام في نزاع مسلح سابق، إذ ترى قبائل أرحب أن الحكم القضائي الحالي الصادر ضد آل فاضل غير عادل لأنه لم يعاقب الطرف المسؤول عن القتل بما يتناسب مع ما يعتبرونه عدلًا قبليًا وأخلاقيًا، فبادرت القبائل مؤخرًا إلى إعلان نكف قبلي للمطالبة بإعادة النظر في الحكم وتنفيذه وفق رؤيتهم للعدالة. في المقابل، آل فاضل يلتزمون بالحكم القضائي النهائي الذي قضى لهم ببعض التخفيف أو التبرئة، معتبرين أن النزاع قد حُسم قانونيًا، بينما يحتفظون هم أيضًا بنكف قبلي دفاعي لضمان حماية أفرادهم من أي تصعيد مسلح أو انتقام محتمل من طرف آل حجام أو قبائل أرحب، ما يجعل الأزمة الحالية مزيجًا معقدًا من خلاف قضائي واحتكام قبلي وتوتر اجتماعي بين الطرفين. الآن كلا الطرفين يرفعان شعارات تتمسك بالاحتكام للقضاء والدولة. ترفع قبائل أرحب لافتات على غرار «احتكمنا إلى القضاء إيمانًا منّا أن الحقوق لا تضيع في ظل الدولة العادلة» و«نناشد قائد الثورة عبدالملك بدر الدين الحوثي النظر لمظلوميتنا ونطالبه بالتوجيه لإعادة النظر في حكم المحكمة العليا». إن التجمع القبلي الذي أثاره النكف القبلي لقبائل أرحب مهيب، تخلله مظاهر حمل السلاح الخفيف والمتوسط، من بنادق وم.ط وبازوكات… وعلى الرغم من كل هذا، يخضعون بكل بساطة لسلطة الحوثيين. وهذا يدل على أن القبيلة، التي كان يُظن أنها لا تُقهَر ولا تخضع، أهون من بيت العنكبوت، لأنها لا تقوم إلا على التماهي التمثيلي، على تلك المسرحيات الاجتماعية. وطالما أن الحوثيين يسمحون لهم بالاستمرار في هذه المسرحية، فالخضوع يصبح مبررًا لهم. غير أن القبيلة تخضع لسببين رئيسيين: أولًا، لأنها لا تملك خيارًا سوى الخضوع من حيث هي مجرد تماهي تمثيلي، وثانيًا، لأنها في النهاية كيان تكافلي يخدم أبناءه ولا يدرك معنى الوطن؛ فحدود الوطن تساوي حدود القبيلة، ولذلك ليسوا مستعدين للدفاع عن الوطن بمفهومه الأوسع إلا لو كان لهم مصالح من ذلك، كالمال والسلطة.

إن الفجوة القيمية بين الحوثيين والقبيلة شاسعة، فالحوثيون لا يمارسون أي نوع من التماهي التمثيلي، إذ يملكون منظومة أيديولوجية متماسكة وقوية تجعلهم، من منظور الالتزام بالقيم، أكثر صرامة وأقوى ثباتًا وأكثر إخلاصًا لمبادئهم من أي انتماء قبلي تقليدي. فالقيم عندهم ليست مجرد قواعد اجتماعية أو تقاليد متوارثة، بل إطار أيديولوجي محدد يتطلب الانضباط والطاعة والولاء الكامل، ويصوغ سلوك الفرد والجماعة في كل شؤون الحياة. وهذا الانضباط يجعل الجماعة قادرة على التحرك ككيان موحد، حيث يُنظر إلى كل عضو على أنه حامل لمبادئ الجماعة ويجب أن يلتزم بها حرفيًا، دون تلاعب أو مرونة. لهذا السبب لا يمكن للقبيلة مقاومة الحوثيين، خصوصًا أنّها تتمسك بالقيم التقليدية كتمثيلية اجتماعية فحسب.

ومن الجدير بالذكر ما أورده رئيس اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني، يحيى أبو أصبع، في حوار أجراه مع رحمة حجيرة ضمن سلسلة حلقات بعنوان «مذكرات يحيى منصور أبو أصبع»، حول كيف أن قبائل حضرموت كانت قد نست أعرافها القبلية بعد الوحدة، وأن إعادة تعليمها هذه الأعراف قد تم عبر دورات أُقيمت لأعضائها على يد قبائل شمالية. وهذا يعني أنها التحقت بتلك الدورات لتتقن فن المسرح القبلي، تمامًا كبطل رواية دون كيخوته، عسى أن يتحول ما تعلمته إلى هوية فعلية، وفي هذا تجسّد صارخ لمفهوم التماهي التمثيلي.

خلاصة القول، هو أنّه لا وجود لشيء يسمى «قبيلة» في اليمن، على الأقل كما في المخيال اليمني، وأنه ليس هناك سوى تماهي تمثيلي لا أكثر على غرار شخصية كيخانو في رواية دون كيخوته الذي يتوهم نفسه فارسًا. تلك الصورة المتخيلة للقبيلة، من حيث هي لا تُقهَر، ولا يمكن إخضاعها، هي أسطورة نُسجت في عقولنا منذ الصغر. والتجربة الحوثية تثبت ذلك بشكل واضح. كما رأينا كيف أن الاختلاف بين طبقة الساموراي اليابانية والقبيلة اليمنية، جوهري، ويمكن في أن الأولى ليست تماهي تمثيلي، في حين أن الأخيرة كذلك. ونستفيد من كل هذا أن القبيلة في اليمن ماتت منذ زمن بعيد، وأن كل ما كنّا نظنه قبيلة ما هو إلا شبح لها. وهذا في نهاية المطاف جيد، فالآن فقط يمكن أن نحلم بيمن أفضل، يمن مدني، لأن الشخص العاقل لا يؤمن بالأشباح، ولأن الذي كان يعقينا من قبل هو أن ظنينا في تلك الأشباح حقيقة.

احرص على أن يصلك جديد عن طريق الاشتراك في النشرة البريدية

 

 

محتوى استثائي
لا مثيل له

احرص على أن يصلك كل جديد عن طريق الاشتراك في قناتنا

على التلغرام أو واتساب

أحدث المقالات

  • حين انهارت الأسطورة: القبيلة اليمنية بين التماهي التمثيلي والواقع الحوثي

    حين انهارت الأسطورة: القبيلة اليمنية بين التماهي التمثيلي والواقع الحوثي

  • ما الذي تريده السعودية من اليمن؟ (2)

    ما الذي تريده السعودية من اليمن؟ (2)

  • ما الذي تريده السعودية من اليمن؟ (1)

    ما الذي تريده السعودية من اليمن؟ (1)

  • ما معنى أن تكون ماركسيًا؟

    ما معنى أن تكون ماركسيًا؟

  • في الدفاع عن الجمهورية

    في الدفاع عن الجمهورية


×