لا غنى عن قراءة الجزء الأول لفهم هذا المقال:
وفي 2018، وبعد أن سيطر الجيش الوطني والتحالف على أجزاء كبيرة من محافظة الحديدة (مدينة ساحلية غرب اليمن، وهي محايدة لصنعاء، وبسبب مينائها تعدّ شريان الحياة لمناطق سيطرة الحوثي، من حيث هي المنفذ البحري الوحيد لهم)، حيث وصلوا إلى مشارفها الحيوية، بما في ذلك محيط المطار ومناطق استراتيجية تهدد مركز المدينة والميناء، انسحبت القوات المشتركة، وأُعلن أن هذا الانسحاب ما هو إلا إعادة انتشار وتموضع في الساحل الغربي. والسؤال هو: لماذا تنسحب قوات منتصرة فعلًا وتسمح للحوثيين بإعادة فتح الطريق من الحديدة إلى صنعاء؟ يرى أحمد المسيري، وزير الداخلية (2017–2020)، أن ذلك خدمة للحوثيين، ويتهم بشكل أساس الإمارات. ومع ذلك، لا أحد يمكنه أن ينكر تواطؤ السعودية أيضًا، فسكوتها، بل وتبرير متحدثها الرسمي باسم التحالف، يؤكد ذلك.
وبنظرنا ونظر آخرين، فإنها ليست مسألة خدمة للحوثيين بقدر ما هي مسألة أن القضاء على الحوثي أو تحرير صنعاء يعني بالضرورة انتهاء مبررهم في انتهاك السيادة. ويبدو أن الوضع لهم مريح على هذا النحو. فالحوثيون يخدمون كمبرر لبقائهم وتدخلهم في اليمن، سواء على الصعيد العسكري أو السياسي، وهذه فرصة لم يكونوا ليحلموا بها قط من قبل، وسيبدو من الغباء إضاعتها سُدىً.
في مقابلة للواء محسن خضروف في قناة المهرية (2023)، يذكر، في سياق الأسباب الاستراتيجية والسياسية التي منعت حسم المعركة، أن هناك مناطق استراتيجية كان «ممنوعًا» الانتصار فيها أو تحريرها؛ فمثلاً كانت منطقة صرواح قابلة للتطهير عسكريًا خلال ساعات قليلة باستخدام مروحيات الأباتشي، إلا أن ذلك لم يُسمح به. كما أن مدينة تعز، التي تضم 25 لواءً عسكريًا قادرًا على الوصول إلى صنعاء، كان تحريرها ممنوعًا أيضاً لاعتبارات معينة. ومن الأسباب الاستراتيجية التي أعاقت الحسم هو تدخل طيران التحالف بضربات وُصفت بأنها «خاطئة» استهدفت الجيش الوطني عندما كان يحقق إنجازات ميدانية ملموسة ويقترب من حسم معارك معينة، مما كان يؤدي إلى هزيمته وتراجعه بعد التقدم. كما ذُكر أن «مدفع جهنم» التابع للتحالف استهدف مواقع الجيش بدلاً من الحوثيين في تخوم مأرب، مما أسفر عن سقوط ضحايا من القوات الحليفة. ويكمل أنه لو تم السيطرة على صرواح، لكان بالإمكان قطع طريق (مأرب-جحانة) وحصار جبل هيلان الاستراتيجي المطل على مأرب، كما أن الوصول إلى «مفرق أرحب» كان سيعزل قوات الحوثي بالكامل ويجبرها على الاستسلام أو الموت، ولكن هذه الخطوات الحاسمة لم تكتمل. تؤكد هذه المعطيات أن العوائق لم تكن دائماً مرتبطة بالقدرات القتالية للميدان، بل كانت مرتبطة بإرادة سياسية وتدخلات خارجية وجهت مسار المعارك نحو الاستنزاف بدلاً من الحسم العسكري.

في السابق، كان أقصى طموح للسعودية هو الاحتواء الناعم لليمن، لكن الآن تغيّر الواقع، ولهذا لا بد أن تتغير الطموحات ويزداد الجشع. وقد ذكر كثير من السياسيين اليمنيين أن السعودية، خلال هذه الأزمة، طلبت من عبد ربه منصور هادي إعطاءهم منفذًا بحريًا يطل على البحر العربي عبر محافظة المهرة، بل طلبت إعادة النظر في اتفاقية ترسيم الحدود. وواقعة أن الجيش السعودي كان متواجدًا في المهرة، على الرغم من أنها منطقة بعيدة للغاية عن مناطق الصراع مع الحوثي، تثير الريبة وتعزز من صحة ذلك.
في 7 أبريل 2022، أصدر الرئيس هادي، من الرياض، إعلانًا رئاسيًا بنقل جميع صلاحياته إلى مجلس جديد باسم «مجلس القيادة الرئاسي» مكوّن من 8 أعضاء بقيادة رشاد العليمي، الذي كان مستشار هادي منذ 2014. وعكس باقي الأعضاء القوى العسكرية الموجودة على الأرض، فقد تضمن المجلس عيدروس الزبيدي، قاد المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي أسس بدعم من الإمارات وكان يهدف للانفصال عن شمال اليمن. وفي هذا السياق، من الجدير بالذكر، أن حرب 1994، قد خلفت حالة من الاحتقان الشعبي في جنوب اليمن ضد الوحدة نتيجة للمارسات المنتصرين الشمالين بحق الجنوبين، فقد هُمِّشت القيادات الجنوبية، وأُعيد توزيع الأراضي لصالح شبكات نافذة مرتبطة بنظام صالح، وأُضعفت البنية المؤسسية في الجنوب، وسُرًّحت الكوادر العسكرية والمدينة، والهيمنة على الموارد الاقتصادية وإلخ… لهذا فإن الانتقالي استغل القضية الجنوبية، وتعامل كأنه الممثل الوحيد والحصري لها، في اقصاء واضح لبقية القوى الجنوبية. ومن الجدير بالذكر أن نقل السلطة هذا، لا أساس دستوري له، وهو خروج صريح الدستور اليمني. فالرئيس يمكنه وفق الدستور نقل سلطته لنائبه فقط لفترة انتقالية، لا تشكيل مجلس رئاسي من عدة أعضاء. ووفقًا لشهادات كثير من السياسين، فإن هادي ‒ وعلى الرغم من أخطاءه ‒ كان رئيسًا وطنيًا. لذا يبدو جليًا أن هذا المجلس لم يأتي بقرار يمني، وأن عبده ربه كان مجبورًا عليه. كما أن اختفاء هادي عن المشهد منذ نقل السلطة، وحقيقة عدم مغادرته السعودية إطلاقًا من حينها وذلك على الرغم من قصص تقول بمحاولته السفر لأمريكا والتي لم تكلل بالنجاح، توحي بشكل واضح أنه ووضع تحت الإقامة الجبرية. وهذا شيء ليس جديد على السعودية، فقد استعملته على مواطنيها وأمرائها من قبل. ما حدث هو استبدال رئيس مُستفتى عليه من الشعب ذي شرعية دستورية وتوافقية بمجلس لا شرعية له، مجلس مُنصّب من الخارج. وفي هذا انتهاك صريح للسيادة وإهانة لمبادئ الجمهورية والدستور اليمني بل إهانة للشعب اليمني نفسه، على نحو لا يختلف في جوهره عن اختطاف الرئيس الفنزولي مادورو من قبلِ الولايات المتحدة هو انتهاك للسيادة وإهانة للشعب الفنزولي.
وفي شهر يناير من هذه السنة الحالية، أعلن العليمي، رئيس مجلس الرئاسة، عن تأسيس لجنة عسكرية عليا تنضوي تحت قيادة التحالف (السعودية)، وفي هذا تسليم للسيادة، لكن هذه المرة على المكشوف وبشكل صريح، فالجيش اليمني اليوم صار تحت أُمرة دولة أجنبية. وهذا ما أحب أن أسميه « الاستعمار بالوكالة المحلية ». حيث تُنصّب قوة خارجية قوةً محليةً بُغية خدمة أجندتها ونهب ثرواتها (أو تعطيلها إذا كان ذلك في خدمتها) بشكل مُموه، أو بشكل أقل فجاجة من الاستعمار المباشر. هذه الطريقة، هي دون أدنى شك أدهى، وأخبث، وأكثر ثباتًا من الاستعمار الفعلي وأقل عرضة للمقاومة والممانعة الشعبية. وتنهج الإمارات النهجَ نفسه لكن عن طريق خلق مليشيات خارج الدولة.
في عام 2022، رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني القرار رقم (18) بإنشاء قوات درع الوطن رسميًا، وإسناد قيادتها للقائد العميد بشير سيف الصبيحي، وجعلها قوة احتياط مباشرة خاضعة للقائد الأعلى للقوات المسلحة ولا تتبع وزراة الدفاع. وهذه القوات، مدعومة مباشرة من السعودية وتمتلك عقيدة سلفية متطرفة. ويأتي كل رواتب عسكريها من السعودية. وما يجعل الأمر أكثر غرابة، هو أنها لا ترفع العلم اليمني إطلاقًا. مما قاد الكثيرين إلى التشكيك بوطنيتها. السؤال الذي يطرح، لماذا لم تسعَ السعودية منذ البداية إلى دعم وبناء جيش يمني وطني مستقل عن القوى المؤدلجة دينيًا ومذهبيًا؟ ولماذا أُتيح للإمارات العبث باليمن وتشكيل مليشيات متعددة الولاءات؟ ولماذا أُهدرت أحد عشر عامًا بلا حصيلة، مع أن القضاء على الحوثي كان ممكنًا خلال الأشهر الأولى على أقصى تقدير؟ لماذا يكون دائما على رئيس الجمهورية أو المجلس الرئاسي البقاء خارج الوطن؟ إن الوقائع على الأرض، تجعل من المنطقي التشكيك في ناويا السعودية «خيّرة».
شهدت أواخر ديسمبر 2025 نشرَ المجلس الانتقالي قواته في محافظتي حضرموت والمهرة، الواقعتين في جنوب شرق اليمن، وهما محافظتان تتسم فيهما شعبيته بالضعف النسبي، وذلك في مسعى لفرض واقع انفصالي بالقوة. وكان قد بسط سيطرته قبل ذلك على معظم المحافظات الجنوبية باستثناء هاتين المحافظتين تحديدًا. ووصَف رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، هذه التحركات بأنها «أحادية» الجانب وخارجة عن إطار الشرعية اليمنية ومجلسها الرئاسي. وعليه، حثّت المملكة العربية السعودية المجلس الانتقالي على الانسحاب الفوري، وأوفدت فريقًا للوساطة، غير أن المسار انتهى بقصف جوي استهدف قواته من قبل السعودية. وتفاقمت إثر ذلك حدّة التوتر بين الرياض وأبوظبي، وبرز الخلاف بينهما على نحوٍ جليّ بعد أن ظلّ لسنوات يُدار في الخفاء. ثم ما لبث المجلس الانتقالي، عقب انسحابه من المحافظات الجنوبية الشرقية، أن أعلن حلّ نفسه، فيما تقدّمت قوات «درع الوطن» المموّلة سعوديًا لتسلّم المواقع، وصولًا إلى عدن، العاصمة المؤقتة. وبدا، عندئذٍ، أن مشروع الانفصال قد تلاشى، وربما إلى غير رجعة. ومع ذلك، دعت السعودية إلى حوار جنوبي–جنوبي برعاية سعودية في الرياض، في دلالة على أنها لم تنكر القضية الجنوبية قط، بل أقرت بعدالتها، وإن كانت قد سعت أساسًا إلى التخلّص من المجلس الانتقالي المدعوم إماراتيًا. وعليه، يظهر أن وحدة اليمن ليست أولوية حاسمة لدى السعودية بقدر ما تمثل مسألة الإفلات من الوصاية جوهر اهتمامها؛ إذ لا يهم وقوع الانفصال من عدمه، ما دامت جميع الأطراف خاضعة لنفوذها.
أمّا من ناحية الاستثمارات والمساعدات السعودية في اليمن، فقد تنوّعت عبر السنوات وشملت قطاعات حيوية عدّة، أبرزها البنية التحتية والنقل، والطاقة والكهرباء، والمياه والبيئة، والصحة، والتعليم، والزراعة والصناعة؛ إذ أُنشئ في عام 2010 مصنع إسمنت حضرموت بتكلفة بلغت 260 مليون دولار، ثم بدأ في عام 2021 تنفيذ مشروع مدينة الملك سلمان الطبية والتعليمية في محافظة المهرة، وتبع ذلك في عام 2023 بدء تشغيل مستشفى الأمير محمد بن سلمان في عدن، قبل أن يُعلن في يناير 2026 عن بدء تنفيذ مشروع أول محطة لتحلية المياه في اليمن، إلى جانب العديد من المشاريع الأخرى المندرجة ضمن البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، ويُذكر في هذا السياق أن يحيى المتوكل، وزير الصناعة والتجارة اليمني خلال الفترة من 2007 إلى 2011، أشار إلى أن نحو 80 بالمائة من الاستثمارات الخليجية في اليمن هي استثمارات سعودية. مع ذلك سيكون من الحماقة الافتراض أن هذه الاستثمارات والمساعدات، كانت حبًا في اليمن، إذ يدخل في إطار الاحتواء الناعم والهيمنة الناعمة وتحسين صورتها. فاليمن، أولًا وقبل كل شيء، ليس فقيرًا، بل مُفقّر. فمن جهة، تمنع السعودية اليمنيين من استخراج نفطهم منذ بدايات تدخلها العسكري، ومن جهة أخرى، تقدم لهم مساعدات. إن موارد اليمن وإمكاناتها جمّة، فهي تمتلك موارد هيدروكربونية، وثروات معدنية وزراعية، بالإضافة إلى ثروات سمكية وبشرية، فضلاً عن موقع جغرافي مميز، وإمكانات للطاقة المتجددة، وعلى الأقل 3000 سنة من الحضارة. ولو تُرك لليمن حرية استثمار ثرواته وموانئه الحساسة، لما احتاج إلى شيء من السعودية أو أي دولة خليجية.
وفي 18 يناير 2026، نُشر مقال تحت عنوان «اليمن السعودي.. الفُلك الذي لا يُغِرق من ركبه» لسام الغباري، محرر صحيفة الثورة، وهي صحيفة رسمية للجمهورية اليمنية. والعنوان بحد ذاته مُخزي. يَنسب فيه بوضوح اليمن للسعودية ويجعل اليمن بكل تاريخه القديم والحديث يدور في «فُلك السعودية». وفي هذا القول خيانة وطنية لا يمكن نكرانها لأن فيه إنكار صريح لسيادة اليمن. على أن الذي يخرق الدستور مرة، يخرقه ألف مرة. يتحدث الغباري، أن قوله «اليمن السعودي»، خالٍ من «انتقاص للهوية»، وحتى إن صح هذا القول على الرغم من أنه يزعم إن تاريخ اليمن العريق كله يدور في «فُلك السعودية»، فماذا عن السيادة؟ يبدو، على وجه العموم، ومن خلال خطاب لافت يتردّد على ألسنة طيف واسع من النخبة السياسية والفكرية، أن كثيرين قد شرعوا في التعاطي مع مسألة سيادة اليمن بوصفها قضية إشكالية قابلة للجدل، ومجالًا مفتوحًا للنقاش وإعادة النظر، لا باعتبارها أصلًا ثابتًا غير قابل للمساءلة. وهذه هي الشبكة الزبائنية الجديدة للسعودية، بعد أن صارت القبيلة في اليمن شيئًا من الماضي، إذ لم تعد تهيمن على المشهد، فكان لا بد من تشكيل شبكة جديدة.
لكي لا يبدو أن ما نحاول إيصاله لا يعدو كونه انحيازًا تأكيديًا، يتوجب علينا أن نسأل أنفسنا عن كل الاحتمالات الممكنة لما قد تريده السعودية من تدخلها في اليمن، ثم نشرع في شطبها واحدًا تلو الآخر بعد فحصها عقلانيًا في ضوء ما تقدم من الوقائع على الأرض. والاحتمال الأول هو أن السعودية دولة شقيقة حريصة على خير اليمن، وهذا هو الاحتمال الأحمق، ذلك أنه في السياسة الواقعية لا يوجد أخ أو شقيق، وتُقام العلاقات بين الدول وفق المصالح. أما الاحتمال الثاني فهو كون السعودية لديها مطامع في اليمن، وهو احتمال معقول ويتماشى مع السياسة الواقعية وينسجم مع الواقع قديمًا وحديثًا بشكل جزئي. والاحتمال الثالث هو أن السعودية تسعى إلى ضمان أمنها الداخلي فحسب، على أن أمنها الداخلي مرتبط باستقرار اليمن وازدهاره، وهذا احتمال معقول، لكنه لا ينسجم تمامًا مع الواقع، ولهذا تنقصه الكفاية. وأخيرًا، أن السعودية ترى في الاستقرار الحقيقي للجمهورية اليمنية سياسيًا واقتصاديًا ونموه على كل الأصعدة تهديدًا وجوديًا لها، وهذا احتمال معقول وينسجم أيضًا مع الوقائع. وبذلك، يتبيّن أن الاحتمال الثاني والأخير هما الإجابة على سؤالنا. ولذا تسعى لتوقيض قوة اليمن وإبقائه تحت الوصاية والإرتكان وهو بنظرنا ما ندعوه استعمارًا بالوكالة المحلية.







