شركة مارتن لوكهيد (فاعل فوق الدولة)

الناظر لسيرورة الحروب سيجد أن أسبابها قد لا تكون في مجملها مقنعة إذا أنها أسباب لا تستدعي أن تنشب الصراعات العسكرية على أساسها وذلك يوحي بوجود فاعلين مستفيدين من خلف الستار عندهم القدرة على تأجيج الصراعات والإقتتالات في العالم على مر التاريخ. فحروب “داحس والغبراء” والتي استمرت لعقود بين الأوس والخزرج ودور تجار السلاح “اليهود”…

طائرة حربية امريكية

مقدمة:

     الناظر لسيرورة الحروب سيجد أن أسبابها قد لا تكون في مجملها مقنعة؛ إذ إنها أسباب لا تستدعي أن تنشب الصراعات العسكرية على أساسها، وذلك يوحي بوجود فاعلين مستفيدين من خلف الستار عندهم القدرة على تأجيج الصراعات والاقتتالات في العالم على مر التاريخ. فحروب “داحس والغبراء” والتي استمرت لعقود بين الأوس والخزرج ودور تجار السلاح “اليهود” في تأجيجها خير دليل على ذلك والأمثلة تتوالى بكثرة في عصرنا الحالي.

     سيتم تسليط الضوء في هذا التقرير على تجارة الأسلحة في العالم من خلال شركة “مارتن لوكهيد”، لتكون نموذجًا باعتبارها أكبر شركة مصنعة للسلاح في العالم فشركة لوكهيد مارتن، شركة أمريكية، وهي أكبر شركة للصناعات العسكرية في العالم من حيث الدخل، توظف حوالي 140000 شخص. قامت الشركة بتطوير أول طائرة تستخدم تقنية التخفي من الرادار والتي دخلت الخدمة في سلاح الجو الأمريكي تحت اسم (إف 117 نايت هو)، وكانت تصنع العديد من الطائرات المدنية مثل (لوكهيد إل-1011 تراى ستار) .

يناقش التقرير في طياته الموضوع محل الدراسة على ثلاثة محاور أساسية كما يلي:

اولا: نبذة مختصرة عن شركة مارتن لوكهيد.

ثانيًا: دور شركة مارتن لوكهيد في التأثير على التفاعلات الدولية.

ثالثًا: استشراف مستقبلي لشركة مارتن لوكهيد.

أولا: نبذة عن شركة مارتن لوكهيد:

يقع مقر إدارة الشركة في مدينة بيثيسدا، ماريلاند في ولاية ماريلاند الأمريكية، وقد تكونت شركة لوكهيد مارتن في آذار- مارس منذ عام 1995م عن طريق اتحاد شركة لوكهيد مع شركة مارتن ماريتا، وتقوم الشركة حاليا بتصنيع طائرة الجيل الخامس الأمريكية (إف 22 رابتور) كما فازت بعقد تصنيع مركبات الفضاء (أورايون) والتي من المتوقع أن تخلف مكوك الفضاء بعد تقاعد أسطوله عام 2010.

تعتبر الشركة أكبر شركات العالم على الإطلاق في مجال الصناعات العسكرية، ففي عام 2009م شكلت مبيعاتها العسكرية 74% من مجمل مبيعاتها، وكانت 7.1% من مجموع مدفوعات البنتاغون لهذه الشركة حيث بلغت مبيعات الشركة لوزارة الدفاع الأمريكية البنتاغون في عام 2009 م 38.4 مليار دولار، وتعمل في أربعة مجالات رئيسية هي: الصناعات الجوية بنسبة (27%)، و الأنظمة الإلكترونية بنسبة (27%)، و تكنولوجيا المعلومات و حلول الأعمال بنسبة (%27)، و صناعات الفضاء بنسبة (19%). وقد بلغ حجم مبيعاتها في عام 2009 م 45.2 مليار دولار منها 38.4 مليار دولار لعقود الحكومة الأمريكية بواقع (85%) من إجمالي مبيعات الشركة، و 5.8 مليار دولار كمبيعات للحكومات و الشركات خارج أمريكا بواقع (13%) و 0.9 مليار دولار بواقع (2%) للقطاع التجاري داخل أمريكا.

ثانيًا: دور شركة مارتن لوكهيد في الساحة الدولية:

تكشف الأرقام والإحصائيات عن سيطرة أمريكية روسية على سوق السلاح العالمي، فعلى رأس أكبر مئة شركة، أربعين شركة منها أمريكية، بلغت مبيعات الشركات الأمريكية 58% من إجمالي ما تنتجه المائة شركة وعلى رأس هذه المائة شركة تتربع الشركة الأمريكية المصنعة للسلاح مارتن لوكهيد الأمريكية، حيث حققت مبيعات خلال عام 2012م تقدر بــــــ 36 مليار  دولار(1). و لعبت شركة لوكهيد مارتن مع غيرها أدوارًا مختلفة في الساحة الدولية جعل منها ذلك فاعلا دوليا كبيرًا، فعند دراسة ساحات الصراع في العالم دائما ما نجد عملة واحدة يتشارك فيها ويتعامل بها الجميع، مثلا ما الذي يربط بين إسرائيل والدول العربية و الولايات المتحدة وإيران وروسيا والصين وفصائل المقاومة والنظام السوري وحكومات الدول الأفريقية والحركات الانفصالية هناك والاتحاد الأوروبي وحكومات أمريكا اللاتينية وإمبراطورية المخدرات العالمية وعصابات شرق أوروبا وتنظيم المافيا الدولي وداعش، لوهلة قد يبدو من الجنون الربط بين كل هؤلاء، لكن تفكيرا بسيطا سيوصلنا إلى عالم الواقع حيث لا يوتوبيا وحيثما نظرنا وجدنا العالم الحقيقي الذي تتغذى عليه الحروب وتحيا عليه صناعة كاملة تتحكم بشكل رئيسي في إدارة الكوكب.(2) إن حجم تجارة السلاح يجعلنا ندرك مدى الدور الذي تلعبه داخل وخارج الدول فالإنفاق السنوي على هذه الصناعة يتراوح بين التريليون ونصف التريليون دولار، وهو ما يساوي 3% من كل الناتج العالمي الرقم الموثق ل2013 والذي أعلن عنه هو 1075تريليون دولار كدلالة قاطعة على أنها التجارة الأقوى عالميا متخطية تجارة المخدرات صاحبة المركز الثاني.(3)

أما شركة لوكهيدمارتن فقد تجاوزت مبيعاتها 37.213مليار دولار في عام 2005م، يتقاضى مدير شركة لوكهيد مارتن سنويا راتبا يقدر بــ 26 مليون دولار، كل هذه الأموال تحتاج طرقا للحصول عليها وزيادتها واستمرار تدفقها، ومن هنا يبرز الدور الدولي لشركة لوكهيد مارتن كفاعل دولي مؤثر.(4)


1 – للمزيد انظر: موقع مجلة السياسة الدولية http://www.siyassa.org.eg/

2- هيثم قطب/ صناعة الموت كيف يسيطر أباطرة السلاح على العالم؟/ موقع سياسية بوست، على الرابط:http://www.sasapost.com/death-industry-how-to-control-emperors-arms-to-the-world/ / 6 مارس 2015م

3- ريم عبدالحميد/ تقرير إخباري/ موقع اليوم السابع على الرابط: http://www.youm7.com/story/2014/8/15/20 / مايو 2015م

4- ملخص تقرير صادر عن معهد استوكهولم العالمي لبحوث السلام/ موقع البلد، على الرابط: http://www.el-balad.com/836294 / الاثنين 1/1/2015م ، 12:00ص


– دورة حياة الأسلحة شديدة البساطة، تطور فكرة السلاح ثم يصنع ثم تبدأ مرحلة النسخ والتحديث على فترات متوسطة الطول، أثناء التحديث يتم التعامل مع النسخ الحالية بصيانتها واستبدال قطع فيها، وللسلاح حسب نوعه ودرجته عمر افتراضي يصبح بعده لا قيمة له عسكريًا.

دور شركة لوكهيد مارتن وغيرها ينبعث من مبدأين أساسين، أن السلاح خلق ليستعمل، فكلما زادت الحروب زاد الربح وراجت الصناعة، وكلما قلت الحروب كان ذلك في غاية الضرر بصناعات السلاح عمومًا، لذلك بغض النظر عن صفات الجيوش النظامية فإن العالم لابد أن يحوي على بؤر معينة مشتعلة باستمرار ولا تنطفئ أو تهدأ أبدًا لضمان استمرار الأرباح المليارية، والمبدأ الثاني هو تجربة السلاح، هناك أسلحة تصنع ولابد من تجربتها في مكان ما لضمان فاعليتها ولضمان استمرار مشروع تصنيعها  وبالتالي تسويقها على نطاق واسع.

    – إن إجمالي ما تنفقه الولايات المتحدة على مدار أكثر من عشر سنوات على غزو العراق فقط و ما تبعه 4.4 تريليون دولار، كان لشركة لوكهيد مارتن نصيب الأسد من هذا الإنفاق باعتبارها الشركة الأولى في هذه الصناعة ليس فقط في الولايات المتحدة بل في العالم.

وعندما تظهر تنظيمات كتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على الساحة الدولية بشكل واسع النطاق ثم تقرر الولايات المتحدة تشكيل تحالف دولي لمحاربته كان هذا إيذانا بفترة رفاهية أرباح رائعة لشركات الأسلحة الأمريكية. ومثالا على ذلك ففي الفترة من يوليو إلى أغسطس من عام 2014م ارتفعت أسهم شركة لوكهيد مارتن بنسبة 9.3%.(1)

ويمكن أن تلخص هذه النقاط حول دور لوكهيد مارتن في التالي:

يتبلور دور لوكهيد مارتن وغيرها من شركات السلاح على الساحة الدولية بدعم بؤر الصراع كما أسلفنا والدفع نحو الحروب وحتى نحو مزيد من التوتر بين الدول. فلا نستغرب إذا كانت خلف تغذية الصراع الخليجي الإيراني والهندي الباكستاني والسنى الشيعي والروسي الجورجي والروسي الشيشاني والروسي الأوكراني وغيرها. أو تدفع بالدولة الأمريكية لخوض حروب من طرف واحد بدعوى محاربة المد الشيوعي كما حدث في فيتنام، وأخرى لمحاربة الإرهاب في أفغانستان،  وغيرها من الأسباب.



ومن الجدير بالذكر فضيحة إيران كونتر الشهيرة، حيث برز فيها عدنان خاشقجى الملياردير السعودي واحدًا من أهم تجار السلاح في العالم، وصاحب العلاقات الواسعة مع بعض أفراد العائلة الملكية وشراكة طويلة مع عملاق الصناعات الدفاعية مارتن لوكهيد والتي دفعت له في التسعينات عمولة ورشاوي تقدر بمائة وستة مليون دولار مقابل تسهيل صفقات أسلحة.(1) وكذلك الاتفاق الضخم للولايات المتحدة على الدول الخارجية والذي يقدر بحوالي 20 مليون دولار في الساعة الواحدة(عسكريا)،  أي ما يقارب 15 مليار دولار شهريا وينفق البنتاجون نفسه مايزيد على ما تنفقه الخمسون ولاية مجتمعة على الصحة، والتعليم، والأمن، والرفاهية.(2)

تلعب شركه لوكهيد مارتن مع غيرها على صعود أنظمة وسقوط أخرى وعلى دعم  حركات أخرى حول العالم. أما عن الوسيلة الأساسية التي تجعل شركات الأسلحة تسيطر على مصير الدول هي مدى تجذر لوبي صناعة السلاح في النظام الأمريكي والدولة الأمريكية أولا، حيث تقدم الشركة مبالغ هائلة للأحزاب السياسية المتنافسة على قيادة البيت الأبيض وكل شركة تدفع بمرشحها الذي يفترض فيه أن يفتح الأسواق أمامها ويسهل تصريف منتجاتها فالمصروفات العسكرية الأمريكية ارتفعت إلى 400 مليار دولار وقد نجحت تلك الشركات في الدفع باتجاه الحرب والاستفادة من المآسي والمجازر و المذابح التي يعاني منها البشر.(3)

ولعل البعض قد يشير إلى حادث اغتيال الرئيس جون كنيدي على أنه دليل على مدى الخطر الذي يعترض أي رئيس أو سياسي أمريكي قد يقف أمام  مصالح تلك الشركات وغيرها. فهل في ذلك وغيره من الافتراضات حول مدى تأثير الدور الذي تلعبه شركة لوكهيد مارتن وشركات السلاح جانب من الصحة ؟



ثالثًا: الاستشراف المستقبلي لشركة مارتن لوكهيد (مآلاتها):

مآلات ( مارتن لوكهيد ) من حيث التمدد و الانحسار:

تعتبر تجارة الأسلحة في العالم التجارة الأوفر حظًا على الإطلاق؛ إذ يُتفق تقديريًا على أن الإنفاق السنوي يتأرجح ما بين التريليون و النصف والاثنين تريليون دولار، و هو تقريبا ما يساوي 3% من كامل الإنتاج المحلي العالمي و ما تم إعلانه في 2013 م هو 1,75  تريليون دولار(1).

  1. باعتبار شركة مارتن لوكهيد واحدة من شركات الأسلحة فديمويتها و استمرارها يعتمد على وجود بؤر الاقتتال و الصراع في العالم و هو ما يحدث فعلا، ففي الفترة من 2011 – 2012 تناقص دخل هذه الشركة أكثر من نصف مليار دولار، وهي مرحلة الانسحاب التاريخي للجيش الأمريكي من العراق و عندما ظهر تنظيم الدولة الإسلامي( داعش ) على الساحة بشكل واسع النطاق ثم قررت الولايات المتحدة الأمريكية تشكيل تحالف دولي لمحاربته، كان هذا إيذانًا بفترة رفاهية و أرباح رائعة لشركة الأسلحة ( مارتن لوكهيد ) والتي ارتفعت أسهمها بنسبة 9,3 % من يوليو إلى أغسطس من العام 2013م(2).
  2. تنامي الدور الإيراني في المنطقة:

زاد نفوذ جمهورية إيران الإسلامية في المنطقة مما أدى بدوره إلى خلق بؤر صراع جديدة في المنطقة خاصة إبان ثورات الربيع العربي، وكذلك توقيع الاتفاقية النووية مع الدول العظمى سيعطي إيران دورًا أكبر للتأثير في المنطقة. وفي الجانب الآخر ، زاد التخوف الخليجي من هذا التنامي و زادت بؤر الصراعات  الإقليمية في المنطقة و التي خلقت شعورًا بالأمن و الذي يستدعي شراء المزيد من الأسلحة الأمريكية المتطورة المتمثلة بالمنظومات الصاروخية الدفاعية (باتريوت ) و أيضًا طلب العربية السعودية الحصول على طائرات (F35) المصنوعة من قبل الشركة.



  • عملية عاصفة الحزم:

أدت عملية عاصفة الحزم بالدول المشاركة في الحرب إلى زيادة الطلب على الأسلحة الأمريكية خاصة المصنوعة من قبل ( مارتن لوكهيد ) فمثلا:
وافق البنتاغون الأمريكي على طلب المملكة السعودية صواريخ (باك – 3) بمبلغ 2.4 مليار دولار ومن قبلها الإمارات(1) . وفي ظل الصراعات الحالية في سوريا وليبيا والعراق ومصر و أيضًا اليمن تلقت الشركة آلاف الطلبات للحصول على صواريخ (Hellfire) بمليارات الدولارات(2).
كل هذه المعلومات و الإحصاءات تشير إلى تنامي و صعود دور شركة مارتن لوكهيد في العالم بشكل عام وفي المنطقة العربية بشكل خاص على المدى القصير والمدى المتوسط على الأقل.


1- طلب العربية السعودية في شراء صوريخ من الولايات المتحدة/ موقع رويترز العربي/ http://www.ara.reuteris.com / 30 يوليو 2015م ، 2:56PM  

2- عادل عبدالصادق/عوائق تنظيم تجارة الأسلحة التقليدية/ موقع مجلة السياسة الدولية على الرابط: http://www.siyassa.org.eg/NewsContent/3/112/2748/ 7/16/2015م، 12:30PM

أحدث المقالات

  • لماذا يجب أن نثقف أنفسنا؟

  • إدانة العربي في الأدب الصهيوني.. كيف افترى سميلانسكي على العرب؟

    إدانة العربي في الأدب الصهيوني.. كيف افترى سميلانسكي على العرب؟

  • ملخص كتاب رأس المال (2)

    ملخص كتاب رأس المال (2)

  • ملخص كتاب رأس المال (1)

    ملخص كتاب رأس المال (1)

  • كيف يستخفون بنا نحن الشعوب

    كيف يستخفون بنا نحن الشعوب